الرئيسية / التحقيق العام Radio Pers / سيدي معروف أولاد حدو

سيدي معروف أولاد حدو

مسمار جحا : ركن دائم منذ26 سنة “: عبدالرحيم الفقير الادريسي . جريدة السياسة العامةمنذ  1986   …

حتى لا ننسى

عندما يتكالب ويتآمر الاغنياء على قرية سيدي معروف لبيعها بأثمان بخسة : سيدي معروف : أبناء التربة والأرض الطبية =بقلم : الصحفي عبد الرحيم الفقير الادريسي – مدير جريدة السياسة العامة – مكتب : لاهاي – هولندا = تعودت ومنذ صباي أن أسير عند كل صباح ومع خيوط الصباح الوردية لاستقبل أشعة الشمس الذهبية المطلة على قريتي .. سيدي معروف .. أولاد حدو ..كان جمال المسالك يزداد بهاء حيث تتيه خطاي لتسجل بذاكرتي العديد من الأشياء الجميلة .. فعندما تنعكس أشعة القمر على المزارع أحس بأن ألاف الابتسامات قد رسمت على فضاء بلدتي ..

كنت أشعر بأن كل ما تحويه هذه الأرض صديق لي ..

هبات النسيم الطيب المنعش ..

النجوم المتناثرة في شكل زهور مضيئة .

قطرات المطر ..

وتلك الورود التي حفت ضاية سيدي معروف

في متاهات خطاي كانت أذناي قد تعودت على صراخ أطفال في جريهم المعتاد أمام الأقسام الثلاثة للمدرسة الوحيدة ..

في لوحات فضاء سيدي معروف كانت عيناي قد ألفتا جماعة من الرجال المسنين يناقش الواحد الآخر في هدوء قل نظيره واقع سيدي معروف وما يتخبط فيه من مشاكل .

كنت أرتاح إلى همس الطبيعة تغازل برقة تلك المروج الخضراء التي تنطلق من مدام شرويط إلى ضيعة التونسي مرورا بأرض ولد الطيبي والشوادلة وأولاد رحو حيث تنتشر ضيعات جدي الحاج بوشعيب بن المكي ..

عبر هذه الضيعات كانت المروج بأزهارها تروح عن نفسي وتقول لي نحن صديقان رغما عن العذول وقبل مجيء الغريب .

كانت المروج تبتسم قبل ابتسامة الفجر لا يعكر صفوها سوى الاكتساح القادم من – كانطريل – وبناء الدور القروية ..كنت أحدق وأمعن النظر في الأرض فتعانق عيناي 4 شجيرات متناثرة أمام الأقسام الثلاثة ..أمام تلكم الأقسام الثلاثة التي سموها مدرسة كانت ضيعة مزروعة على أطول مد العين لا يزعج هدوءها سوى مقلع للحجر كنا نستيقظ على دوران آلياته التي تهشم الأحجار لتبعث لنا الرسائل الغير مباشرة أن هدوء هذه القرية زائل لا محالة ..

وأغمض عيناي لأرى الأفق البعيد يحمل بين طياته أخطبوطا يهدد القرية ليحولها إلى ضجيج وحركة أليات مصانع ..

فلا مروج ولا مزارع ولا خضرة وإنما صخب وأصوات نباح كلاب وحشية مكان الكلاب التي كانت أمينة .. وتمر الأيام ويصدق الأخطبوط في تهديده ويقضي على الهدوء الذي كانت تنعم به قريتي ..

وكلما دفعت بي قدماي للقرية يحز في نفسي واقعها ..

أشعر يكثير من الحزن ..

أسير في الشارع الذي ألفته قدماي وأنا أكاد أصل إلى الأقسام الثلاثة حتى أحس بأنني أختنق أو سجين في بيت من زجاج والناس يمرون أمامي يرونني ولا أراهم إطلاقا لأنهم غرباء عن قريتي ..

ولكن غربتي أشد ..

الشارع هو نفس الشارع ..

الرجال المتقدمون في السن لا وجود لهم ..

والمروج تختفي رويدا رويدا …

أشعر أن الشارع يعيش الظلام نهارا فأهرب بذاكرتي للوراء لأبحث عن البركة المائية والقبور بضريح سيدي معروف التي أصبحت فوقها مساكن حديثة ودار الطبيبة والشجرة العالية بدار الطنجاوية وفران بادريس وفران ولد الخطاب وأرض التونسي فيعزيني الشارع الوحيد على الماضي الضائع ..

وقبل أن أخرج من نفس الشارع أجد نفسي وحيدا في قرية كان جل أهلها يعرف صغيرهم كبيرهم .. ويحترم بعضهم بعضا .. يعيشون على التوادد والمجبة والخير العميم .غير أنه لا يفارقني الشعور بأنني سجين في هذه القرية التي ضاع أهلها وضاع منها كل شيء جميل .. سجين رغم أنها قريتي ومفتاحها معي ..

فهل رأيتم سجينا يحتفظ بمفتاحه ؟

يتجسد السجن في الضجيج المنتشر في كل مكان ولم يرحم ولو قطعة أرضية من هذه القرية …

عيون جديدة وأناس جدد ..

أنتبه على صوت ضمير يخاطبني قائلا :

تلك سنة الحياة .. وكل إهمال لابد له من عاقبة مخذلة .

مخذلة لأن من قلدهم السكان المسؤولية لم يضعوا تصميما ولم يكلفوا أنفسهم أي عناء للحفاظ على القرية ..

باعوها بثمن بخس لكل غريب أراد تبييض أمواله القذرة ..

فانتشرت المصانع الوهمية في كل مكان ..

المسؤولون بالبلدية التي سموها بلدية اغتنوا غناءا فاحشا وسلموا القرية للوحوش التي كانت تلعب بالمخدرات في الشمال ويهربون المال نحو هذه القرية التي سمح فيها أهلها لكل من هب وذب يشيد الاسوار مدعيا أنه جاء ليساهم في تنمية المنطقة لتظهر الايام أنهم نموا جيوبهم .. وأفسدوا كل شيء وعاتوا في الارض فسادا وأذلوا أهل القرية ومرغوهم في الاهانة فمن رضي بالذل بقي حارسا لمتاعهم المشبوه فيه ومن لم يرض الإهانة هام على وجهه بحثا عن مكان لا يستعبد فيه ..

ألا يحق لأبناء هذه القرية مقاضاة من اغتنوا على حساب سكان القرية ؟

ألم يحن الوقت لمحاكمة الذين عاتوا في القرية فسادا ؟

ألا يمكننا مساءلة الذين باعوا القرية ومساءلتهم كيف اغتنوا وتطبيق قانون من أين لك هذا ؟كان أهل القرية  شرفاء لا يرضون بالشماتة وعندما أحسوا بأن قريتهم قد بيعت دون مزاد علني ولم يشاورهم أحد ووقع التآمر على الهدوء الذي تمتاز به شدوا الرحال إلى وجهات داخل الوطن وخارجه ..

أخطر شيء يصيب البشرية بالدمار يتجسد في الحرب والمجاعة والوياء ..

لكن ما أصاب قريتي هو الذل الذي رضي به البعض وسوء التخطيط وغياب التنظيم

                 نحتفظ بنشر المواضيع والصور وجميع الحقوق محفوظة

كوبرايت 86.14 1986

عن editor

شاهد أيضاً

شخصيات هامة لعبت دورا هاما في تاريخ الدولة الليبية

Historisch record… La presse dit : Un corner préparé et présenté par le journaliste Abderrahim …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *