Mediablogs en onderzoeken Pers 402
عبد الرحيم الفقير الادريسي في مدونات Pers : بالعربية والفرنسية والهولندية telegraafmpers@gmail.com … Aljazirapress@yahoo.nl
***********************
أمير المؤمنين يوجه رسالة الى المشاركين في ملتقى حوار الاديان المنعقد ببروكسيل في موضوع “سلم الله في العالم“
بسم الله الرحمان الرحيم
بروكسيل: الأربعاء 19 دجنبر 2001 الحمد لله رب العالمين والسلام على جميع أنبيائه المرسلين
أصحاب السمو والمعالي والفضيلة حضرات السيدات والسادة
يطيب لي أن أتوجه اليكم في افتتاح أعمال هذا الملتقى الهام بتحية السلام وعبارات الاشادة والامتنان لكل من البطريركية المسكونية التي قامت بهذه المبادرة المبار كة في تنظيم هذه الندوة حول حوار الاديان تعبئة منها لكل الارادات النيرة من ممثلي الاديان الثلاثة للتصدي لما يتهدد عالم اليوم من مخاطر. كما أعرب عن اشادتي برعاية الاتحاد الاوروبي لهذه الندوة ولما يبذله من مساع دؤوبة لصيانة السلام والدعوة الى التفاهم والحوار واشاعة روح التعاون والتضامن معبرا عن عميق اعتزازي بدعوتهم إياي لتوجيه رسالة افتتاحية لاشغال هذه الندوة اعتبارا للعناية البالغة التي أوليها لكل عمل يستهدف التقريب بين الاديان والحضارات والتآخي بين الناس.
إن ملتقاكم هذا يكتسي أهمية خاصة بانعقاده في هذا الظرف بالذات الذي تتعاظم فيه الشكوك وتتزايد التسؤلات وتحف به المخاطر.فالتئام جمعكم الموقر يعتبر اذن امرا محبدا اكثر من اي وقت مضى لما يجسده من حرص على ربط اسم الله تعالى بالسلام الذي هو من صفاته الحسنى ومن رغبة في تستعيد الديانات السماوية اشعاعها الحقيقي في مجال الحوار والاحترام للاخر والتحلي بمكارم الاخلاق. ولذا يسعدني في هذا المحفل النبيل ان اسمع صوت المغرب وصوت ملكه امير المومنين في التشبث بما جاء به الاسلام من قيم العدالة واحترام الحياة والتضامن الانساني والاصغاء للاخر. وان الافصاح عن هذه المعتقدات بالنسبة للمغرب ليس من قبيل الادبيات الاكاديمية او التنظيرية بل هو تعبير ملموس عن حياتنا نحن المغاربة كما نعيشها كل يوم باعتبارها من المقومات الثابتة للمجتمع المغربي الذي عرف عبر تاريخه العريق كيف يحافظ على دينيه مفهوما وممارسة ويتجاوب مع زمانه وما يفرزه كل عصر من اكراهات دون التفريط في اي قيمة من القيم الانسانية التي لم يفتأ المغاربة يستلهمونها ويستنيرون بها. فالموقع الجغرافي للمغرب جعله ملتقى للتعددية الثقافية والحضارية منفتحا على ثقافات الشعوب المتوسطية خاصة والاخذ باللائق من حضاراتها دون حرج في معايشة هذه التعددية ايمانا منه بكونها قوام غناه الحضاري. وهذا ما مكن بلدنا من أن يضطلع بدور مهم في محيطه الجهوي والعالمي ومن أن يستجيب كلما دعي الى ذلك وبكل ما في وسعه للاسهام في أي مبادرة دولية لتحقيق السلام والقضاء على التوتر ودعم أي مفاوضة أو حوار لاحلال السلم محل النزاع .. وإن التاريخ المعاصر ليسجل باعتزاز أن والدي المنعم جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه كان رائدا في انتهاج سبل الحوار ثاقب النظر في كل مواقفه متشبتا بالقيم الروحية والانسانية وتحكيمها في كل النزاعات الدولية جاعلا من الحوار والاعتدال والجنوح للسلم ومناصرة الحق قوام مذهبه في الحكم واضعا مكانته الروحية والزمنية كملك امير للمومنين في سبيل ترسيخ ثقافة الوفاق والتفاهم والتعايش بين الامم والشعوب مما جعله رحمه الله مثالا يحتذى به ومرجعا في التقريب بين الاديان والحضارات والثقافات وبذل المشورة والرأي السديد في كل المعضلات بما شهد به الجميع بمن فيهم الذين كانوا خصوما ثم اقروا بما كان لجلالته من بعد نظر وصواب وحكمة وريادة.
حضرات السيدات والسادة
لقد كثر الحديث عن صدام الحضارات الذي قيل انه سيطبع القرن الحادي والعشرين مثلما تميز القرن التاسع عشر بالمواجهات بين القوميات والقرن العشرون بصراع الايديولوجيات. إن هذا الطرح الذي تغذيه وتؤججه كل المخاوف انما هو فخ يحاول أن يوقعنا فيه من يرفضون مواجهة المعضلة الحقيقية التي يطرحها زمننا المعاصر زمن الاذعان لمنطق الهوة الروحية والفلسفية الذي ينذر بالسقوط في الكمين الذي نصبه الاعداء الحقيقيون للعقيدة سؤ كانت عقيدة اسلامية أو يهودية أو مسيحية. وإن الذين يحاولون تأليب بعضنا على البعض واستعداء ثقافة على أخرى ودين على دين هم دعاة الظلامية والتقهقر الذين يحاولون أن ينسونا ان الديانات السماوية التي هي جميعها جوهر رسالة ابراهيم الخليل عليه السلام في الايمان بالله الواحد الأحد قد جاءت كلها برسالة الانقاذ للانسانية والعمل على تقدمها المناهض للهمجية والعنف والتطرف.
إن كل شعب ذي دين وحضارة يمكنه بل يجب عليه أن يكون فخورا بما حققه للبشرية من اشراقات. كما يجب عليه أن يقف على جوانب ظله متسائلا بصوت جماعي.. ماذا يمكن قوله بخصوص الجرائم التي اقترفتها العديد من الحضارات والتي لم يتجنبها الا القليل منها فالكثير من الحضارات اطلقت العنان في فترة من فترات تاريخها لنزعة الحقد والكراهية. وإن استحضار الماضي ليعد شجاعة وواجبا في نفس الوقت على كل حضارة تحترم نفسها. فالاخلاص لقيمنا حتى عندما تتهددها الديماغوجية والشعبوية والجهل هو قوتنا ومنبع هويتنا وافتخارنا. كما ان مقاومة الذين يتاجرون باسم الدين هي امانة ملقاة على عاتقنا.
أجل إن أجدر الناس بالحوار اليوم لهم الذين يشتركون في الايمان بالله الواحد وبالكتب السماوية المنزلة التي أكدت كلها مسؤولية البشر جميعا امام خالقهم يوم الجزاء ومساواتهم فيما بينهم وأن الله تعالى جعلهم مختلفين شعوبا وقبائل والوانا ولغات ليتعارفوا لا ليتناكروا. كما أدانت تلك الكتب المقدسة الظلم والعدوان في كل صورهما داعية الى التآخي والتضامن في نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة. فهذه القيم المشتركة بين ادياننا كلها تمكننا إن نحن استطعنا تفعيلها في سلوكنا السياسي والاجتماعي والثقافي من أن نصنع عالما جديدا ينعم بالامن والاستقرار والتفاهم والوفاق. وأعتقد ان ملتقاكم هذا إنما تم في سياق استشعاركم للضرورة الملحة لتفعيل هذه القيم.
حضرات السيدات والسادة.. إذا كان الذين شاركوا في هذا الملتقى قد عبروا بصدق واخلاص عن دعوة الاسلام الى السلم والحوار والتعايش الانساني الأمثل فإني أبى إلا أن ؤكد ما سبق توضيحه وهو أن الاسلام يجسد هذه القيم كلها جوهرا ومنهجا في خطابه وذلك بدعوته الواضحة في القرآن الكريم الى الحوار بالمنهج العقلاني في قوله تعالى «« قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سؤ بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولانشرك به شيئا ولايتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله»« صدق الله العظيم.ولذلك أصبح لزاما على كل مهتم بالحوار الديني اليوم من جانب غير المسلمين أن يطلع على القيم الاسلامية في مصادرها الثابتة وعلى تاريخ الاسلام الحضاري الذي رسخ تلك القيم في مجتمعاته ولاسيما المجتمعات التي اختلط فيها المسلمون بغير المسلمين في الشرق أو في الغرب. وهذا هو المنهج الموضوعي لإدراك صورة الاسلام الناصعة وعدم الانخداع بما تروجه بعض وسائل الاعلام المغرض من مزاعم إلى حد رمي الاسلام بكونه دين الارهاب والعدوانية والتعصب انطلاقا من ممارسة الأشرار المتطرفين المنحرفين عن جادة الاسلام الحق الذين لم يخل أي دين من أمثالهم. فالحوار بين الاديان يجب أن ينطلق من المعرفة الصحيحة ومن الحكمة والتبصر والتواضع لان الاستعلاء والكراهية والتعصب هم أعداء كل حوار هادف وبناء.
إن الحوار بين الأديان هو الوجه الآخر للحوار بين الحضارات والثقافات. وهو من مسؤولية جميع المؤمنين مثلكم بان الحضارات الانسانية لم تكن أبدا في موقع الصراع فيما بينها لانها كانت على الدوام حضارات متكاملة فيما بينها ومتفاعلة ومتلاقحة الى حد انه لم توجد حضارة منغلقة على ذاتها او مستغنية عن عطاءات الحضارات الاخرى. واذا كانت الحضارات كلها قد انبثقت من ينبوع العقيدة الدينية او ما يماثلها فان الحوار بين الاديان الذي يعد خير مدخل للحوار بين الحضارات والثقافات يستلزم انفتاح العقل والخيال كما يتطلب التحلي بروح المسؤولية وقوة الايمان وبالارادة القوية في مقاومة كل ما من شأنه أن يمس حريات الافراد وحقوقهم باعتبارهم ينتمون الى نفس المجموعة البشرية. وانني لأستحضر في هذا الصدد وبكل مرارة من موقع مسؤوليتي كرئيس للجنة القدس الشريف المنبثقة عن منظمة المؤتمر الاسلامي ما تعانيه مدينة السلام وملتقى الاديان الثلاثة مدينة القدس الشريف معبرا عما ينتاب كل المؤمنين اليوم من مشاعر الأسى والاحباط من جراء الممارسات العدوانية للحكومة الاسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني الشقيق المتنافية مع القيم الدينية والأوفاق الدولية داعيا جمعكم الموقر الى الوقوف بجانب هذه المدينة الجريحة باعتبارها مدينتنا جميعا من منطلق حرصنا على ان تظل مدينة للتآخي بين الاديان والتعايش النموذجي بينها. وأعتقد أن ملتقاكم هذا قد استشعر المسؤولية الجسيمة الملقاة على كاهلنا جميعا في أن نجعل من كل ملتقى او ندوة حول حوار الاديان والحضارات بمثابة خطوة جديدة تنطلق مما رسخته الخطوة السابقة بل وتضيف اليها لبنة او لبنات في بناء صرح التفاهم والتعايش الانساني. وهذا ما عبرت عنه في اجتماع المنتدى المتوسطي الذي انعقد بأكادير لبلورة موقف مشترك من اسباب وتداعيات الاعتداءات الآثمة لحادي عشر شتنبر الماضي حيث أكدت على ضرورة قيام حوار دائم ومهيكل واستراتيجي بين كل الدول يقوم على اساس احترام حقوق الانسان في الحرية والكرامة والعيش الامن دونما تمييز بين الاجناس والاديان والثقافات والاوطان والعمل على اخماد كل بؤر التوتر المشتعل ومكافحة التعصب المدمر للاستقرار والسلام في العالم حيثما كان. وفي هذا السياق أود أن أجعل خاتمة رسالتي اليكم اقتراح انعقاد ملتقى موسع للحوار بين الاديان والثقافات خلال السنة المقبلة بالمغرب. وستسعد المملكة المغربية أرض الحوار واللقاءات باحتضان هذا الملتقى لمواصلة العمل وتعميق اسس التفاهم واستتباب السلم والحوار على ان يتوج هذا الملتقى بصياغة ميثاق اخلاقي بين الاديان السماوية من شأنه ان يرسخ العمل بكل القيم المشتركة بين أدياننا ويجسد تطلع شعوبنا على اختلاف مذاهبها الى بناء غد آمن تنعم فيه البشرية جمعاء بالسلام والطمأنينة. وستجدون دوما في المغرب وفي ملكه أمير المؤمنين بما عهدتموه فيه من تشبع بالقيم الدينية والانسانية المثلى للحرية والسلم والإخاء والتضامن بين الناس وصيانة كرامتهم خير سند ومعين على ما تتوخونه من لقاءاتكم التي ابارك مقاصدها النبيلة سائلا الله جلت قدرته لكم التوفيق والسداد لنيل رضوانه تعالى وثوابه على خدمتكم للانسانية وتحقيق وحدتها الروحية وسعادتها الابدية والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وحرر بالقصر الملكي العامر بالرباط في يوم الثلاثاء 2 شوال 1422 موافق 18 دجنبر 2001 م.
محمد السادس ملك المغرب “.
المصدر : https://telegraafm.com/?p=17876