عبد الرحيم الفقير الادريسي في مدونات Pers : بالعربية والفرنسية والهولندية telegraafmpers@gmail.com … Aljazirapress@yahoo.nl
رسالة جلالة الملك الحسن الثاني إلى المؤتمر الدولي الرابع للسيرة النبوية
بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين
صاحب الفخامة.
حضرات السادة الأفاضل.
يطيب لنا أن نستهل خطابنا هذا بخالص الشكر، وصادق العرفان، للجنة المنظمة لهذا المؤتمر الذي أريد له أن يخدم مقاصد الشريعة الإسلامية، ويبرز سمو السيرة النبوية الطاهرة، ويثري الفكر الإسلامي، ويساهم في إغناء مجالات البحث والنظر والابتكار، أخدا للعبرة، وسيرا على سنن السلف الصالح، وإتباع لمنهج الإسلام، الداعي إلى إتباع الأسوة الحسنة، وإعمال الفكر، وإمعان النظر، والغوص في، أسرار سلوك الرسول الأمين عليه السلام، الذي جعله الله قدوة صالحة للبشرية، ومثالا كاملا في الأخلاق والتدبير والتسيير.
وليس بخاف أن اختيار موضع السيرة النبوية الشريفة محورا لمؤتمركم، وركيزة لعملكم، ومادة لبحثكم يلبي حاجة ملحة من حاجات تطلعات المجتمعات الإسلامية، وينعكس أثره على إصلاح الواقع الإسلامي الراغب في العودة إلى منابع الأصول الإسلامية، بإحياء السيرة النبوية تمثلا وتطبيقا، ودراسة واستيعاب، واقتفاء وإقتداء، على هدي من القرآن الكريم، والسنة النبوية الطاهرة، وعلى ضوء من الفهم السليم، والعلم الصحيح، والإدراك الحصيف، والاستنارة والتبصر.
وإنه لمما يثلج الصدر، أن يعقد هذا المؤتمر الهام على أرض باكستان الإسلامية، التي قامت منذ نشأتها على أساس الإسلام فكانت بحق دولة الإسلام الصميمية في هذه المنطقة، وتعزز بها الوجود الإسلامي في هذه القارة، واعتز بها المسلمون في كل أصقاع الأرض.ولا عجب أن يسعى هذا البلد الطيب المؤمن إلى إحياء ما يريد الخصوم عليه من معالم الإسلام في هذا الجزء من العالم الإسلامي، ولا غزو أن يشمر المسلمون الصادقون في هذه البقعة لإقامة شريعة الله، والنضال في سبيل إعزازها، وتطبيق أحكامها وتشريعها، ملتفين حول أخينا وشقيقنا فخامة الرئيس ضياء الحق، الذي آلى على نفسه أن يسير في حكمه للبلاد طبق المنهج الإسلامي السوي الذي قامت على أساسه دولة باكستان، متخطيا كل الصعاب التي تعترض طريق العاملين في هذا السبيل، ومحتسبين عملهم لله رب العلمين.
إن واقع أمتنا الإسلامية في الظروف الراهنة، يدفعنا إلى أن نجعل في مقدمة المهام التي يجب أن تبذل من أجلها الجهود، إعطاء مدلول البعث الإسلامي صورته الحقيقية بترشيد الصحوة الإسلامية وتوجيهها ورعايتها، وفق ما تقتضيه مصالح الأمة، وفي إطار مقاصد الشريعة التي يتعين الاستمساك بها، والخضوع لمنابعها الصافية التي هي الكتاب والسنة النبوية الصحيحة، مهتدين بالهدي النبوي الشريف، دون مغالاة أو تفريط في شؤون دنيانا، وغير منحرفين عن المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، بما يلزم ذلك من الاستقامة على الطريق اللاحب الذي اختطه رسول الله سيدنا محمد “، من غير تزيد أو تزمت، ودون تنطع أو انسياق مع الهوى والغرض.
والحق الذي لا مراء فيه، أن الإسلام قرآن وسنة، وأن تطبيق تعاليمه ينبغي أن يكون على هدى ما جاء به رسول الله ” من قول أو فعل أو تقرير، ومن هنا كانت دراستنا للسنة النبوية وللسيرة النبوية تعنينا كل الغناء عن التماس الصلاح والخير في مصادر أخرى من شأنها أن تفرق بنا السبل وتتيه بنا في متاهات الانحراف والزلل.
لقد كان المسلمون سادة هذا العالم، يوم كانوا يدركون حقيقة الإسلام، ويتبعون سنة رسولهم المصطفى عليه السلام، وينهجون في حياتهم كلها نهج سيرته، فازدهرت دنياهم، وامتد سلطان دينهم إلى آفاق المعمور إشعاعا وإرشادا وتعميما لمبادئ الخير والحق والسلام.
ولست بحاجة إلى القول، وقد بسطت بين أيديكم هذه الملامح المختصرة من ديننا الحق، أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية، وأنه جمع عصارة ما جاءت به الأديان السماوية السابقة، واشتمل على فضائلها كلها، فهو بذلك بلغ قيمة الاكتمال، وسنام الرشد، وصدق الله العظيم: (إن الدين عند الله الإسلام)، وأن رسول الله محمدا “، خاتم الأنبياء والرسل، فلا نبي ولا رسول بعده، ورسالة الرسول رسالة كاملة، وهي مهداة إلى البشرية كافة، باتباعها يسعد البشر، وبالسير في مناهجها يسود الأمن والطمأنينة والسعادة والعدالة والسلام.
أيها السادة الأماثل،
لقد سبق لي أن وجهت خطابا للأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري من جملة ما جاء فيه: (ولاشك أنه من أحد من خاصة المسلمين وعامتهم، الذين شهدوا هذا الحادث التاريخي السعيد، إلا وهو مدعو للتأمل في الماضي القريب والبعيد، تأملا دقيقا، ومطالب بالنظر في الوضع الحاضر نظرا فاحصا وعميقا، إذ بدون مراجعة للماضي، ونظر في الحاضر، لا يمكن التطلع إلى آفاق المستقبل، واستشراف ما يتوقع فيه من وقائع وأحداث تنعكس آثارها على مسيرة الإسلام وحياة المسلمين)، ومن هنا فإن مسؤوليتنا تجاه إسلامنا وعقيدتنا مسؤولية ضخمة، وتعظم هذه المسؤولية أمام التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين في مختلف المجالات.
إن التطور الحضاري والتكنولوجي الذي يسير فيه العالم المتحضر، يفرض علينا أن نساير الركب، ونكون في مقدمة الصفوف، ونعمل جميعا على تطوير بلداننا وترقيتها والدفع بالحضارة الإنسانية إلى الأمام، متأسين بسلفنا الصالح، ومحافظين على تعاليم الإسلام الذي دعانا للعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا، وللعمل لديننا كأننا نموت غدا.
لقد أنعم الله علينا بنعم متعددة، لا نستطيع أن نوفيه الشكر عليها، وتتجلى هذه النعم في هذه العقيدة الصافية الموحدة، وفي هذه التعاليم الواضحة التي تعتبر بحق منهاجا كاملا للحياة المستقرة المطمئنة، والمؤدية إلى السعادة في الدارين.
لقد حكم الله علينا بأننا أمة واحدة، نعبد إلها واحدا وندين بدين واحد، ونتبع رسولا واحدا، ونستمد توجيهاتنا من كتاب واحد. وإذا كانت عوامل الزمان، وظروف الأيام، فرقت بين الأمة الواحدة وجعلتها أمما متعددة، فنحن مدعوون كل منا حسب موقعه، إلى استرجاع معنى الأمة الواحدة، وإلى تحقيق الأمة الإسلامية الموحدة، ولا شك أننا أمام الخطر الذي أصبح يتهددنا، خطونا الخطوة الأولى في تحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة عندنا إلى مؤتمر القمة الإسلامية بأرضنا المغربية المسلمة، والذي نتج عنه تكوين منظمة المؤتمر الإسلامي التي أصبح عملها ومردوها يعطي ثمرته لصالح القضايا الإسلامية في المعمور، ولكنا مع ذلك مدعوون بهذه المناسبة إلى تجديد العهد، ومضاعفة الجهد، لنعطي لمضمون الأمة الإسلامية معناه الكامل، فنواجه التحديات التي تواجه المسلمين، بفكر واحد، ورأي واحد، وعمل موحد.
أيها السادة،
إنه لا يمكننا أن ننسى ولا نغفل، ونحن نجتمع بمناسبة ذكرى مولد الرسول والتأسي بسيرته، أن المسجد الأقصى ثالث الحرمين وثاني القبلتين، ومسرى الرسول وموطن معراجه، لازال يئن تحت قبضة الصهاينة الغاصبين، كما لا ننسى ونحن مجتمعون في باكستان، شعبا مسلما مجاورا لهذه الديار، يعاني منذ سنوات آلام حرب ظالمة سلطت عليه، ويقاسي آلام احتلال جيوش أجنبية تفتك به، وأعني به الشعب الأفغاني البطل، الذي حمل السلاح دفاعا عن استقلاله، وحفاظا على إسلامه، ونضالا من أجل تقرير مصيره بنفسه.
أيها الإخوة المؤمنون،
إن كلا من الشعبين الفلسطيني والأفغاني يناشداننا أن نشد من أزرهما ونحمهيما من غارات المغيرين، واعتداءات المتسلطين، وإنه من واجبنا الديني والوطني أن نقف بجانبهما حتى يحققها مطامحهما في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
إن المسلمين ملزمون اليوم بأن يستأنفوا دورتهم الحضارية، تأثيرا في العصر، وتجاوبا معه، ودعوة للناس كافة إلى الدخول في السلم تحت راية التوحيد لما فيه صلاح البشرية في يومها وغدها.
وإذا كانت هذه المعاني التي نستمدها من هذه المناسبة، فإن أمانة التبليغ تقتضي منا أن نؤكد على حاجة الإنسان اليوم إلى الإسلام، للخلاص وللتحرر وللإنقاذ. فالبشرية المعذبة من جراء الحروب والتطاحنات، وتتطلع إلى الإسلام بشوق عارم، وبرغبة أكيدة، سواء شعرت بذلك أم لا تشعر، لأن كل جنوح إلى السلاح الروحي، والأمن الفكري، والسعادة القبلية، هو تعبير عن المثل العليا التي تجمعت في ديننا، فكان بها دين الإنسانية كلها بحق ويقين.
إن العالم الذي تفتك به الصراعات والخصومات، سيظل في تيهه وانحرافه، ما لم ينهض المسلمون برسالتهم، ويؤدوا الأمانة التي طوقوا بها، لإرشاد الخليقة إلى الصراط المستقيم.
ونحن هنا في هذا الجناح من بلاد العروبة والإسلام، سنبقى إن شاء الله، وستبقى أسرتنا وشعبنا من بعدنا، كما كنا من قبل، محافظين كل المحافظة، على إسلامنا وعقيدتنا، ذائبين عن حوضهما، نافين عنهما ترهات المبطلين، وزيادة الزائدين، وأراجيف الدخلاء على الدين، مشجعين كل من يعمل لصالح الإسلام الحق، المطهر من الأفكار الدخيلة، والشعوذة المصطنعة، عاملين على النهوض بمسؤوليتنا في المجال الإسلامي والعربي، مدافعين عن حقوق المسلمين، ونصرة المظلومين، من كل جنس ودين.
ولقد عاهدنا الله أن قيض سبحانه وتعالى، لنا النهوض بهذه الأمانة استمرارا واقتداء برسالة آبائنا وأجدادنا طوال أربعة قرون قرون، على أن نخلص الجهد، لخدمة الإسلام، ولنصرة المسلمين، ساعين من أجل تعميق التضامن الإسلامي، ومتشبثين بفكرة الأمة الإسلامية الموحدة، ومكافحين لإعلاء كلمة الله.
أيها الحفل الكريم، إننا لنجد مسرورين بهذه الصحوة الإسلامية المباركة التي عمت أنحاء العالم الإسلامي، ما مؤتمركم هذا إلا معلمة من معالمها، فسيروا على طريق الإسلام، وكونوا رسله الصادقين، وهداته المهديين، ودعاته المخلصين.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأعاننا على القيام بواجبنا نحو ديننا وأوطاننا، وصدق الله العظيم: (قل هذا سبيلي أدعو إلى الله، على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله، وما أنا من المشركين).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وحرر بالقصر الملكي بالرباط في يوم السبت 10 ربيع الأول عام 1406هـ الموافق لـ 23 نونبر 1985م.
المصدر : https://telegraafm.com/?p=18579