Mediablogs en onderzoeken Pers 402
عبد الرحيم الفقير الادريسي في مدونات Pers : بالعربية والفرنسية والهولندية telegraafmpers@gmail.com … Aljazirapress@yahoo.nl
*****************************
من الانشطة الملكية
جلالة الملك يوجه رسالة سامية إلى المشاركين في ندوة “مغربية الصحراء في التراث التاريخي والأدبي“
تطوان : الجمعة 20 أبريل 2001
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وأله وصحبه
حضرات السيدات والسادة
إننا حينما نتوجه إليكم بهذه الرسالة الملكية في افتتاح أشغال ندوتكم عن مغربية الصحراء في الخطاب التاريخي والأدبي إنما نود أن نعرب لكم عن رضانا وسابغ رعايتنا لهذه التظاهرة التي تنعقد بمدينة تطوان المجاهدة التي ظلت وشائج القربى موصولة بينها وبين مختلف رعايانا في الصحراء طيلة فترة الاستعمار الاسباني لشمال المملكة وجنوبها وأن ننوه بجعل العمل الفكري والجهاد الثقافي في سبيل تثبيت الوحدة الوطنية المغربية وصيانتها موازيين لكل عمل وطني آخر. فمغربية الصحراء حقيقة تاريخية تتجلى في التراث الفكري والادبي في الظهائر المولوية الشريفة والرسائل الملكية التي كان يتلقاها شيوخ القبائل في موضوع تعيينهم وتوقيرهم واحترامهم وسائر مخاطباتهم. كما تتجلى في ملاحم التاريخ المغربي وفي أدب الرحلات وفي الوثائق التاريخية والمخطوطات بمختلف انواعها. فهذا التراث الغني الذي يمثل فيضا من الشهادات والبراهين على مغربية الصحراء والذي ساهم في ابداعه والحفاظ عليه جميع المغاربة سواء في الشمال او في الجنوب يوءكد ان تاريخ المغرب ضارب الجذور في عمق الاقاليم الجنوبية من بلادنا وان هذا التاريخ ظل يستمد حيويته وتجديده من ذلكم العمق الصحراوي للمغرب منذ قيام دولة المرابطين. ان الرجوع الى هذا التراث ولاسيما في مجال الادب والتاريخ لابراز هذه الحقيقة وترسيخها في الذاكرة الوطنية واجب وطني وجهاد في نفس الوقت لا يقلان اهمية عن الجهاد الميداني الذي خاضه شعبنا بجميع فئاته وقاده اسلافنا الميامين في سبيل الحفاظ على الوحدة المغربية بين الشمال والجنوب وفي سبيل التصدي لكل المناورات والاطماع الاستعمارية مهما كان مصدرها وهدفها. ولذلكم كانت المسيرة الخضراء التي ابدعها والدنا المنعم جلالة الحسن الثاني قدس الله روحه وقادها في سبيل استرجاع الاقاليم الجنوبية بذلكم الاسلوب الشرعي والسلمي الذي اثار اعجاب العالم تشكل مرحلة من مراحل استكمال المغرب لوحدته من منطلق الالتزام بالبيعة التي تطوق جميع المغاربة بكل مكوناتهم وفي جميع اقاليمهم بميثاق الالتفاف حول عرشهم كما تطوق الملك امير الموءمنين بامانة الذياد عن هذه الوحدة واستمرارها.
حضرات السيدات والسادة
إن الامتداد المغربي جغرافيا ووطنيا وموءسساتيا يوازيه ذلكم الامتداد الثقافي والفكري والمذهبي الذي يشكل اطار الثقافة الوطنية. فكما يتوفر المغرب على هذا التنوع في التضاريس الجغرافية وعلى التكامل بين الصحراء والجبال والسهول فكذلك يتوافر لثقافة المغرب هذا التنوع في الابداع والتفكير الذي يجعل من الخصوصيات الثقافية واللسانية المتعددة خيوطا رفيعة تنسج هذه الوحدة الوطنية المتناسقة. ومما لاريب فيه ان الخطاب الادبي والتاريخي خير شاهد على ذلك. ولذلك ما فتىء المغرب بكل مكاوناته وموءسساته الوطنية وفي مقدمتها العرش العلوي المجيد يعبر عن وفائه لهذه الوحدة والتزامه باستمرارها بعد ان صاغها تاريخ عريق امتد قرونا وعصورا. بيد أن هذه الوحدة تعرضت خلال حقبة الاستعمار لمحاولات التجزئة ومناورات التفكيك فعمل المستعمر المتعدد الجنسيات على تحويل المغرب الى كيانات مجتثة من تاريخها واشاعة التشكيك فيها. غير ان جهاد المغاربة قاطبة خلال مرحلة المقاومة والتحرير بقيادة جدنا المنعم ووالدنا المقدس اللذين كانا مطوقين بميثاق البيعة كاسلافهم في الحفاظ على الصحراء المغربية افشل كل مناورات التجزئة والانفصال. فلم تنل مخططات الاستعمار في شيء من ذلكم الميثاق الشرعي الذي تشبث به رعايانا في الصحراء كعروة وثقى لا انفصام لها. وهذا هو سر ذلكم التجاوب الذي لفت نظر العالم في المسيرة الخضراء بين العرش والشعب في الشمال والجنوب معبرة عن تلاحم مكونات الأمة المغربية وراء قائدها مبدع المسيرة ومحقق الوحدة. فالتقت الأجيال الجديدة من المغاربة في الشمال بالاجيال الجديدة من اخوانهم في الصحراء كما كان يلتقي اسلافهم وهم المنحدرون جميعا من اصول واحدة. وإذا كانت المسيرة الخضراء قد حققت هدفها الأول في استرجاع هذا الالتحام الوطني فانها أصبحت منطلقا لمسيرة أخرى جديدة في تنمية الاقاليم الجنوبية وذلكم بتوفير المنشآت والبنيات التحتية وفتح الاوراش العديدة في كل مجال.» وسيرا على نهج والدنا المنعم فى جعل هذه التنمية الشاملة لاقاليمنا الصحراوية تجسيدا لوحدة المواطنة المغربية بين رعايانا فى الشمال والجنوب فاننا منذ اعتلينا عرش أسلافنا الميامين لم ندخر أي جهد في المضي بالاقلاع التنموى لهذه الاقاليم نحو الافق الارحب والمستوى الأعلى الذي نتوخاه لرعايانا الاعزاء فيها وذلك بمواصلة فتح المزيد من الأوراش فى كل القطاعات الاجتماعية والاقتصادية الانتاجية لاستثمار كل الموارد البشرية ولا سيما الشباب والنساء ليندمجوا في المشروع التنموى الذي أقدمنا بكل عزم على انجازه عاملين في ذات الوقت على توفير جميع حقوق أبناء هذه الاقاليم في اشراكهم فى ادارة الشأن العام لحياتهم والحفاظ على خصوصياتهم الثقافية اقتناعا منا بأن الجهوية واللامركزية في أوسع معانيها وتجلياتها الديمقراطية في إطار الإجماع والسيادة والوحدة الوطنية والترابية للمملكة تعد أحسن خيار وأقوم سبيل لتجاوز النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء التي تشكل ندوتكم فرصة أخرى لتأكيدها.
إن المسار الديمقراطى الجهوي الذي نرعاه بكل حزم وعزم وإخلاص سيمكن كل المواطنين المغاربة ولا سيما أبناءنا في الصحراء من معالجة قضاياهم وادارة شأنهم من موقع حاجياتهم ضمن منظور تشكل فيه اللامركزية الجهوية ضرورة وطنية ومطلبا ديمقراطيا يستهدفان تفعيل كل الطاقات والموارد البشرية محليا وجهويا واقليميا معتقدين بأن التنوع هو الذي يغني الوحدة الوطنية ويدعمها. فليست الديمقراطية مجرد تجسيد للمساواة في ظل دولة الحق والقانون وانما لا بد لها أيضا من عمق ثقافي يتجسد في احترام الخصوصيات الجهوية وإعطائها الفضاء الملائم للاستمرار والابداع وإثبات الهوية.
حضرات السيدات والسادة مما لا شك فيه أن الأدب المغربى بمختلف أجناسه وأساليبه ليس سوى تعبير عن حقيقة الوحدة الثقافية وعن مغربية الصحراء ففي الشعر الصحراوى تتوازى القصيدة العربية والحسانية في التعبير عن الذات أو عن الجهاد الوطنى أو عن الولاء للعرش العلوي المجيد ومثل ذلك يقال في الاجناس الادبية الاخرى. والباحثون في تراثنا المغربي يجدون هذه المظاهر ماثلة للعيان في وحدة البرامج والكتب الدراسية والمقررات التي كانت تدرس في الزوايا والموءسسات العلمية في مدن كالسمارة والداخلة والعيون وطرفاية مثلما في مراكش وتطوان وفاس على سبيل المثال. كما نجد المذهب المالكي بمراجعه والتصوف السني بشيوخه سائدين في ربوع المملكة المغربية.من هنا تتمثل الأهمية البالغة لندوتكم التي ستتيح للباحثين أن ينشروا صفحات التاريخ المغربي و يبرزوا ما تتضمنه من دلائل ناصعة تنطق بمغربية الصحراء وتعزز الايمان بهذه الحقيقة بالتوثيق والبرهان. فالوحدة الوطنية المغربية ومغربية الصحراء من ضمنها ليست مجرد دعوى سياسية وإنما هي بالأساس نسيج سلالي ولساني ومذهبي و دينى وصوفي وموءسساتي بحيث لا يكتسب أي خطاب سياسي وحدوي في هذا المجال مصداقيته إلا من هذه المقومات التي تقوم عليها الأمة المغربية كما تقوم عليها دعائم العرش المغربي العتيد. وإن عقد هذه الندوة القيمة عن الصحراء بمدينة تطوان في أقصى شمال المملكة لدليل آخر على وحدة المغرب وسريان الشعور بها بين مكونات الشعب المغربى قاطبة لذلكم ننوه بهذه التظاهرة التي جاءت لتؤكد نجاح التظاهرة الأولى بمدينة العيون. مشيدين بالتعاون الذى جمع بين جمعية فاس سايس وجمعية تطاون أسمير لإنجاحها والتي تستهدف فتح فضاء مغربي تلتقي فيه كل جهود الباحثين للحوار وتعميق الوعي بالوحدة الوطنية وبمغربية الصحراء وترسيخها في الذاكرة الوطنية لتظل أمانة بين الأجيال المتعاقبة.. داعين لكل الفعاليات التي ساهمت فيها أو في تنظيمها بالتوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وحرر بالقصر الملكي في فاس يوم الخميس 24 محرم 1422 هجرية الموافق 19 إبريل 2001
محمد السادس
ملك المغرب
المصدر : https://telegraafm.com/?p=17826