عبد الرحيم الفقير الادريسي
حينما يكتب المفكر أو يلقي محاضرة يستمع إليه الجميع ويتابعون الكلمات التي يتفوه بها حبا في الاستفادة لأنهم يعلمون أنه يقول الصدق والحقيقة وذلك عن بحث عميق وعن تجربة وتحليل مستفيض، وقد يأخذ المتتبعون مواقفه مأخذ الجد بل يعتبرونه ينطق بالحكمة إلى تصبح مواقفه متداولة في المجتمع، يستشهد بها الكثيرون في كلامهم وفي بحوثهم ومقالتهم.
لكن عندما تصبح تلك المواقف أو تلك النظريات التي توصل إليها متجاوزة وخاطئة هل يتراجع المفكر عنها أم يسترسل في طرحها وهو يعلم في قرارة نفسه أنه يحلق خارج السرب، أو بالأحرى أنه يسبح ضد التيار وسط المجتمع المحيط به .
هناك من يتراجع ، وهناك من يعتذر ، وهناك من يماطل ، وهناك من يتجاهل ما وصل إليه من بحث أو مواقف، أو نظريات بعيدة كل البعد عن الواقع ..
المتتبعون للواقع يعتبرون تراجع أو اعتذار المفكر عن موقف ما هو أمانة باعتبار أن الفكر أمانة، وبتراجعه يعتبر شجاعا وصريحا لعلمه أن الموقف السابق كان مجرد استلهامات ومقترحات لا تنم عن الوقع.
التاريخ سجل لمفكرين كانوا يبحثون عن الحقيقة في نظرياتهم وعندما اكتشفوا أن باطلة تراجعوا عنها أمام الجميع لكي يعتمد عليها الباحثون أو الطلاب أو الدارسون..وهنا يسجل المفكر الهدف بتميزه بالحقيقة الملموسة، فكلما بادر المفكر إلى تصحيح بلاغاته أو مواقفه الفكرية وبلغ عنها كلما كبر في أعين المتتبعين عامة ..
لكن إذا تجاهل أوتماطل أو أعرض عن ذلك سيكشف التاريخ أنه كان على خطأ ولن يعتمد أحد على مواقفه أو بلاغاته إلى الأبد.
في البحث عن المفكرين الذين تراجعوا عن مواقفهم بعدما تبين لهم الخطأ نجد مثلا الدكتور محمد حسين هيكل الذي ظل لفترة طويلة ينادي بفكرته الفرعونية.. وبالقومية المصرية المبنية على القيم الغربية بنظمها وتشريعاتها ، لم يتردد لكي يكتب للمجتمع معترفا بالخطأ معلنا ذلك بصراحة ووضوح مما جعل متابعيه يكبرونه ويقدرونه.
وسجل التاريخ الكثير من النظريات التي أمن بها مكفرون كانت خاطئة ولا تستند على واقعية .
حقيقة أن الأفكار لا تموت وإنما لا تتلاءم دائما مع الواقع المعاش مائة بالمائة، وكل فكرة قابلة للمعالجة من ذوي الاختصاص حتى تتلاءم من الزمان والمكان ..
البعض يعتبر أن تراجع المفكر عن فكرته الخاطئة هي تنازل عن مصداقيته لكنهم تناسوا أن المجتمع لا يرحم طال الزمان أو قصر فسوف تذوب فكرته وتضمحل مصداقيته .
التاريخ سجل لنا أن هناك مفكرون فضلوا الموت على الحياة حينما تبين لهم أنهم انساقوا في طريق الخطر وأن ما ظلوا ينادون به لم يكن عن صوابا، ومنهم من فضل الانتحار على البقاء على موقفه .. ومنهم من تنازل عن رأيه خوفا من الموت لتمر الأيام وتكشف عن صواب رأيه كما حدث مع جاليليو جاليلي عام 1648 حين قال بدوران الأرض حول الشمس، فحكمت عليه المحكمة، بدعوى الإساءة للمعتقدات الدينية وحين شعر بان المحكمة قد تحكم ضده تراجع عن فكرته، حفاظا على حياته.
الخلاصة أن الفكر أمانة والأمانة تظل قائمة حتى تنضج وتصبح عنصرًا حيويًا في التنمية داخل المجتمعات، وعلى المفكر ألا يتشبث برأيه كل التشبث ويقتنع به كل الاقتناع فلربما أتبث تلميذه العكس .
المصدر : https://telegraafm.com/?p=17405