عبد الرحيم الفقير الادريسي في مدونات Pers : بالعربية والفرنسية والهولندية telegraafmpers@gmail.com … Aljazirapress@yahoo.nl
**********************
مذكرات صحفي من وسط الحرب العراقية
كتب عبد الرحيم الفقير الادريسي
هل فكر كل واحد منا عندما يشاهد صورا أو شريط حرب لمعركة ما كيف تمتصوير تلك المشاهد ؟وكيف وصلت إليه الأخبار والتحقيقات ؟ بدون شك أن هناكأشخاصا جندوا أنفسهم مغامرين بحياتهم .. إنهم رجال الصحافة الذين لا هم لهم سوىالحصول على الخبر والصورة من أي موقع حربي أكان عاديا أم خطيرا حتى يمكن إشفاء غليلالمشاهد .. فالارقام التي تصدر كل سنة عن موت الصحافيين جد مرتفعة فمنهم من يقتلومنهم من بحتطف ومنهم من يهدد بالخطف والقتل معا . فبالنسبة لي لم يدر بخلدي يوماأنني سأكلف بمهمة مراسل حربي وأعايش المعارك الحربية بمختلف أخطارها وأتعرف علىأحدث الأسلحة الحربية المتطورة …كعادتي كنت أقوم وباستمرار بتغطية ندواتومؤتمرات داخل المغرب وخارجه .. وأجري لقاءات صحفية مع رؤساء دول ووزراء من داخلالمغرب وجارجه وأحضر محاضرات وغيرها .. وعندما تم تعييني أو بالأحرى انتدابيكمراسل حربي لتغطية الحرب العراقية .. ودعني الزملاء في الصحافة ومنهم من تسامح معيلأنهم يعلمون أن المراسل الحربي قد يعود وقد لا يعود سالما فالداخل إلى الحربوخصوصا بدون سلاح يعتبر مفقودا والخارج بعتبى مولودا . وهكذا كان التعيين بمثابةتحول جديد في عملي الصحفي .. بينما كان لأحد المشرفين على الجريدة التي أعمل بهاالفرصة الوحيدة للتخلص مني ما دام لم يستطع إزاحتي من عملي لأنه لاحظني أتسلقالسلاليم بعملي المنضبط وكان يعلم أن الصحفي إذا دخل الحرب ستكون نهايته وخصوصا في حرب كهذه فأراد التخلص مني دفعة واحدة.
خلال إقلاع الطائرة من مطارمحمد الخامس بالدار البيضاء الكبرى وتوقف بتونس وأثينا وبلغراد واسطامبول كانت لدىجميع الصحافيين انطباعات غير حقيقية .. لكن بمجرد وصولنا لبغداد التي غادرناها فياتجاه البصرة ومنها إلى منطقة المملحة التي كانت تعيش معارك ضارية وصعبة .. وكانهدفنا كركوك ثم دهوك ثم السليمانية واللائحة طويلة ..كانت السيارة العسكريةتطوي المسافات وهي مطلاة بالطين من أجل تغطية لمعان الشمس المنعكس على الزجاج .. فمن خلال هذا اللمعان يرصدنا من يرغب اقتناصنا وينسفنا بقذيفة واحدة ..
علمت أن معيفي هذه السيارة الزميل عبد العلي الجدوبي وصحفي من لوفيكارو وآخر من لوموند وصحفيمصري وصحافية جزائرية وأخرى اسبانية ..في البداية ونحن نقطع المسافات وسط ذويالمدافع ووسط الاشجار والتلال ونستمع إلى المدافع المتحركة والطائرات المغيرةويتراءى لنا الدخان بكل مكان أراد القائد العسكري أن يختصر الطريق وأمر زميلهالسائق المرور من وسط الوادي وهو يسير بسرعة فائقة خوفا من أن ترصدنا أجهزة فيلق لايعرف عنا شيئا .. وإذا يلغم – قنبلة – يصيب مقدمة السيارة التي فقدت مقدمتها كلياووجدنا أنفسنا نسير بنصف السيارة نحو مياه الوادي وأصيب بعضنا بجروح خفيفة ..
تركنا الموقع بسرعة خوفا من لفت انتباه الاخرين لوضعنا .. وقصدنا إحدىالقاعدات العسكرية هذه الاخيرة لم تكن بعيدة جزء منها تحت الارض .. تم التعريف بناوولجنا الباب وبعد خطوات كنا تحت الارض داخل قاعات أنيقة ومكيفة .. تناول بعضالصحفيين مشروبات فيما نحن كنا صائمين لاننا في رمضان
تحركنا من جديد على متنسيارة عسكرية أخرى إلى أن دحلنا منطقة الفاو بصعوبة هنا عشنا الحرب فعلا .. صوت المدافع ..الطائرات التي لا تفرق بين هذا أو ذاك .. الغبار الكثيف والدخان المتصاعد والسيارةالتي نحن على متنها جاثمة في قلب جبل من الرمال وافترقنا عن بعضنا وإذا بانفجار ضخم عمصداه المنطقة وشظايا السيارات تتطاير في السماء والغبار من كل جهة .. صوت الجندي المرافق لناينادي على الصحافيين بالانبطاح أرضا .. والتراب نازل من السماء علينا .. واستمرالحال حوالي 3 ساعات لا نتبين واقعنا وانجلى الغبار والتراب والدخان .. أجساد هناوهناك والمكان كأنه موقع نفايات أو مكان السيارات المهشمة ونحن وسط هذا نقف نبحث عنبعضنا ونبحث عمن كانوا معنافوجدنا أن كل واحد في مكان ينفض الغبار عليه ومنا منيئن مما أصيب به .. لقد تحول المكان الى جنود موتى .. قطع جسدية .. رؤوس .. أيادي .. أرجل .. أحشاء .. دماء يرسم بها التراب لوحات مخيفة .. ورجال يستغيثون
.بالنسبةلي لم أشاهد من قبل شخصا يموت أمام ناظري إلا في الحرب العراقية .. فالشخص المقطعإلى نصفين يضل يتمرغ كل جزء منه كالديك المذبوح .. منظر لا يمكن نسيانه بعد معاينته .. في الحقيقة الحرب قاسية لا رحمة فيها … ومن يعيشها قد يصاب بالجنون .. وفيهذه اللحظة نسينا أنفسنا لماذا نحن هنا .. وقد طلب منا جندي مساعدته على جمع أطرافالموتى .. وانتبهنا لمهمتنا الحقيقية فسارع كل واحد الى القلم والكراسة والكاميراالتي ضاعت وأخذ كل واحد يسجل الحدث بطريقته .المنظر المفزع عندما وقفتا علىالكاسحة للتراب التي تصب في حفرة كبيرة أليات وجتث موتى وتسوي الارض وتسير نحو جهةأخرى ..
القائد العسكري في جهة وسط الاشجار يحمل زميله سائق السيارة ورجلهمقطوعة .. الصحفي الألماني لم يكن معنا في وفدنا خرج من وسط الأشجار يحاولالتقاط صور للقائد العسكري وهو يحمل زميله .. رجل اليمنى للصحفي وقعت فوق لغم قنبلة وصلتنارجله قبل أن يصل هو .. ويضع القائد زميله المصاب ويسير في حذر نحو الصحفيويحمله نحونا في انتظار النجدة الطبية التي حضرت لتحمل الصحفي ميتا .
المصدر : https://telegraafm.com/?p=17239